المدونة مدونة المهندس محمد خطيب

عمى البصائرِ في أبجدياتِ الوجود: عن الخللِ في ميزانِ المعاني

aam-albsayr-fy-abgdyat-alogod-aan-alkhll-fy-myzan-almaaany
ليس أقسى في مساراتِ الوجود من أن تتحدث بلغةِ النور، فيُنصت إليك من لا يملك في قواميسه سوى أبجدياتِ الطين. إن المأساة الحقيقية في تلاقي الكيانات البشرية لا تكمن في الغياب المطلق، بل في الحضورِ المشوه؛ في تلك المسافة المرعبة التي تفصل بين انفعالٍ نقيٍ يفيضُ من أعمق نقطةٍ في الروح، وبين وعيٍ متكلسٍ يلتقطه بأيدٍ ماديةٍ خشنة، ليعيد تشكيله وفقاً لضيقه وحساباته.

نحن في جوهرنا لا نتألم لأننا نُخذل، بل لأننا نُقرأ بالمقلوب. حين تُترجم العطاءات الخالصة والنوايا البيضاء الشفافة على أنها مجرد مقايضات، وحين تُوضع الانفعالات السامية في ميزانِ الربح والخسارة، ندرك حينها أن الكارثة ليست في اختلاف الطباع، بل في "أزمة التأويل". إنه الصمم الروحي في أبشع تجلياته، حيث تقف أمام هيكلٍ يشاطرك الزمان والمكان، لكنه يعيش في بُعدٍ إدراكيٍ لا تصل إليه تردداتك، وكأنك تلقي بقصيدةٍ فيزيقيةٍ في قاعةٍ لا تجيد سوى لغة الأرقام.

يبلغ هذا العبث ذروته في لحظات السقوط والاضطراب. فالأزمة، كل الأزمة، لا تتمثل في ثقل الضربة التي نتلقاها من تقلبات الأيام، ولا في الارتطام الموجع بأرض الواقع. الفجيعة تتجلى في تلك اللحظة التي نرفع فيها أبصارنا لنلتقي بعيني من يقف في محاذاتنا، فنجد خواءً تاماً. نكتشف بغتةً أن هذا الكيان لا يفتقر إلى القدرة على المساعدة فحسب، بل يفتقر إلى "الحواس" التي تدرك معنى السقوط من الأساس. هو يرى انكسارنا كفوضى مزعجة تعرقل سير يومه، وليس كجرحٍ وجوديٍ يستدعي الاحتواء والتفهم.

وهنا، يبرز التساؤل الذي يبتلع كل يقينٍ سابق: هل من الحكمة أن نستمر في محاولة إبصار النور لمن فقد حاسة الرؤية الروحية؟ أم أن الاستسلام لصمت المسافات هو طوق النجاة الوحيد لحفظ ما تبقى من جوهرنا غير القابل للتجزئة؟

في نقطة التماس السحيقة هذه، يتساوى ثقل البقاء بخفة الرحيل. فأن تسير بجوارِ طيفٍ لا يقرأ من كتابِ روحك سوى غلافه المادي، هو اغترابٌ أشد وطأةً من العزلة المطلقة. وسواءً أكنا ما زلنا نقتسم ذات الهواء مع هذه الظلال الباردة ونتجرع مرارة التأويل اليومي، أم أننا نفضنا غبارهم عن أرواحنا ومضينا في طريقنا منفردين، فإن الحقيقة الواحدة الثابتة هي أن النقاء لا يمكن أن يُحاكم بقوانين المادة، وأن الأرواح التي جُبلت على الوضوح لن تطيق العيش طويلاً في عتمة الفهم المشوه.

Mohammed Khateb

أنا المهندس محمد خطيب أرى أن تدوين المعلومات والمقالات أمر غايه في الأهمية وموقعي هذا ليس ربحياً وغايته نشر مقالات مفيدة للجميع.